المخابرات السورية والحكومة العراقية... علاقة خطرة
ما فعلته المخابرات السورية أخيراً من خطف و إعتقال الإعلامية العراقية هيفاء الحسيني ورد فعل أطراف في الحكومة العراقية التي تحركت و حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأسرع وقت ممكن و تخليص الضحية من أيدي الجلاد هو أمر أكبر من خطير كونه لا يمثل مجرد عملية سوء فهم عابرة بل أنه إنتهاك صارخ لحرمة حرية الكلمة و للمنابر الإعلامية , و إستهتار فج و عدواني و قبيح يؤشر على الطبيعة الفاشية للنظام الإستخباري الإرهابي , فتصوروا لو أن الضحية لم يتحرك من أجلها مستشار الأمن القومي موفق الربيعي! و لا وزارة الخارجية! و لا نقابة الصحافيين العراقيين! و لا الأصوات و الأقلام الإعلامية العراقية الحرة , فماذا سيكون مصيرها ?
الجواب معروف وهو المصير الأسود نفسه الذي واجه الآلاف من الأحرار السوريين و اللبنانيين الذين غيبتهم أجهزة المخابرات السورية الخبيرة في الخطف و القتل و التغييب و إخفاء الآثار ? أولئك الذين لم يسأل عنهم أحد ولم تصل أخبارهم الى اي طرف و عاشوا معذبين ثم ماتوا في زنازين النظام بوحشية لا نظير لها , و إذا كان موضوع إختطاف هيفاء الحسيني قد تم حسمه و إنهاء ملفه بطريقة الإتصالات الخفية و السرية فإن ذلك ليس نهاية المطاف أبدا بل أنه يفتح ملف جهاز المخابرات السورية ودورها في تغييب وخطف الناس ومنهم من إختفت آثاره لحظة دخوله للشام و أبرزهم من العراقيين المغيب السيد شاكر الدجيلي المختفي منذ عام 2004 في ظل صمت رسمي سوري و تجاهل رسمي عراقي إذ أن هناك نقاط ضعف رسمية عراقية كبرى في التعامل مع المواقف المعادية للنظام السوري في الكثير من القضايا و المواقف إذ يبدو أن هناك تهيباً وخوفاً من المسؤولين العراقيين الحاليين وهم يخاطبون الجانب السوري وذلك بسبب طبيعة العلاقة التاريخية المتشابكة بين المعارضة العراقية السابقة التي تحولت في لحظات تاريخية نادرة الى قوى حاكمة و مهيمنة ليس بقدرتها الذاتية و لا بقوتها الشعبية و إنما بسبب العامل الدولي تحديدا واسقاط الولايات المتحدة نظام الرئيس العراقي صدام حسين و هي الخطوة التي غيرت الموازين في الشرق الأوسط و أنتجت واقعا جديدا و مختلفا تغيرت معه الأدوار و التحالفات و إنقلبت العداوات صداقات و التحالفات خصومات و تشابكت خلالها كل الأوراق و الملفات !
تاريخيا كان للمعارضة العراقية السابقة وجوداً رسمياً منظماً و فاعلاً في سورية و كان النظام السوري يستفيد من تلك المعارضة في تصفية حساباته مع غريمه اللدود و التاريخي النظام العراقي , و كانت جميع الأحزاب العراقية المعارضة من مختلف التيارات و التوجهات تحت إشراف و مراقبة أجهزة المخابرات السورية و كانت بعض قوى المعارضة كالتيار البعثي اليساري و هو المؤيد لفرع الشام لحزب "البعث" يعتبر جزءاً من المشروع السياسي السوري رغم أن حزب "البعث" بحد ذاته كان الوسط النموذجي لتمركز العملاء المزدوجين أي الذين يعملون لصالح صدام حسين و يظهرون أنفسهم على أنهم من أنصار نظام الأسد! و تلك من القصص الغريبة و الطريفة في تاريخ المعارضة العراقية في المنفى , وبعد تبلور النشاط السياسي للأحزاب الدينية و الطائفية المرتبطة بالنظام الإيراني كأحزاب الدعوة و العمل الإسلامي ثم المجلس الأعلى كان للمخابرات السورية حضورها الفاعل في كيانات تلكم الأحزاب بل أن التنسيق الإستخباري بين المخابرات الإيرانية و السورية خلال الحرب العراقية- الإيرانية ادت تلكم الأحزاب دوراً رئيسياً في تنظيم حلقاته و كانت المخابرات السورية ليست بعيدة من العمليات الإرهابية التي نفذتها بها مخابرات الحرس الثوري الإيراني في دول الخليج العربي كالبحرين و السعودية إضافة إلى حملة التفجيرات الكبرى في الكويت إعتبارا من أواخر عام 1983 مرورا بمحاولة إغتيال الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد عام 1985 ووصولا إلى عملية خطف طائرة "الجابرية" الكويتية من مطار بانكوك ربيع عام 1988 .
فقد كانت المخابرات السورية على علم تام بالتخطيط و التدريب و التنفيذ و كان الشخص الذي فجر مبنى السفارة الأميركية السابق في بنيد القار في الكويت في 12/12/ 1983 و المدعو رعد مفتن عجيل قد تدرب على العملية الإنتحارية في البقاع اللبناني و بعلم المخابرات السورية و التنسيق معها , كما كانت الجماعات الدينية و الأحزاب الطائفية العراقية تعمل بشكل مكشوف في العمل الإستخباري و إصدار الجوازات المزورة و التهريب على الخط العسكري اللبناني و في كردستان , لذلك فإن كل أوراق حكام العراق الحاليين مكشوفة بالكامل أمام النظام السوري! ولذلك كان إستصغار ذلك النظام للمسؤولين العراقيين وعدم إحترام نداءاتهم و مناشداتهم أو الإهتمام بشكواهم من تصاعد الإرهاب المقبل من الشام , فالملفات الخاصة و السرية ساخنة للغاية وهي لو ظهرت ستحدث زلازلا لن تنتهي , ان مشكلة أطراف كثيرة في الحكومة العراقية انها ما زالت تتعامل بعقلية و نفسية المعارضة السابقة , كما أن مشكلة النظام السوري هي الصلف و الغرور و العنجهية رغم أن بيته الداخلي هو أوهن من بيت العنكبوت! و الحر تكفيه الإشارة!
كاتب عراقي




